الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
396
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
دليل شرعي على عدم حجيته فإذا تعلق ظن بالواقع وظن آخر بعدم حجية ذلك الظن كان الثاني حجة على عدم جواز الرجوع إلى الأول وخرج بذلك من الاندراج تحت الدليل المذكور فليس ذلك مخصّصا لتلك القاعدة أصلا فإن قلت إن العقل كما يحكم بحجية الظن الأول إلى أن يقوم دليل على خلافه كذا يحكم بحجية الأخير كذلك وكما يجعل الثاني باعتبار كونه حجة دليلا على عدم حجية الأول فليجعل الأول باعتبار حجيته دليلا على عدم حجية الثاني إذ لا يمكن الجمع بينهما في الحجية فأي مرجح للحكم بتقديم الثاني على الأول قلت نسبة الدليل المذكور إلى الظنين بأنفسهما على نحو سواء لكن الظن الأول متعلق بحكم المسألة بالنظر إلى الواقع والظن الثاني متعلق بعدم حجية الأول فإن كان مؤدى الدليل حجية الظن مطلقا لزم ترك أحد الظنين ولا ريب إذن في لزوم ترك الثاني فإنه في الحقيقة معارض للدليل القاطع القائم على حجية الظن مطلقا لا الظن المفروض وحينئذ فلا ظن بحسب الحقيقة بعد ملاحظة الدليل القطعي المفروض وأما إن كان مؤداه حجية الظن إلا ما دل الدليل على عدم حجيته فلا مناص من الحكم بترك الأخذ بظن الأول إذ قضية الدليل المفروض حجية الظن الثاني فيكون دليلا على عدم حجية الأول ولا معارضة فيه للدليل القاضي بحجية الظن لكون الحكم بالحجية هناك مقيدا بعدم قيام الدليل على خلافه ولا للظن الأول لاختلاف متعلقيهما ولو أريد الأخذ بمقتضى الظن الأول لم يمكن جعل ذلك دليلا على عدم حجية الظن الثاني لوضوح عدم ارتباطه به وإنما يعارضه ظاهرا نفس الحكم بحجيته وقد عرفت أنه لا معارضة بينهما بحسب الحقيقة ولا يصح أن يجعل حجية الظن الأول دليلا على عدم حجية الثاني إذ الحجة في المقام هي نفس الظنين والدليل المذكور في المقام دال على حجيتهما وهو أمر واحد بالنسبة إليهما وأنفسهما على نحو سواء كما عرفت وليس حجية الظن في المقام نفس الظن وقد عرفت أنه بعد ملاحظة اليقين وملاحظة حجيتهما على الوجه المذكور ينهض الثاني دليلا على عدم حجية الأول دون العكس فيكون قضية الدليل القائم على الظن إلا ما قام الدليل على عدم حجيته بعدم ملاحظة الظنين المفروضين حجية الثاني وعدم حجية الأول من غير خصوص التعارض بين الظنين حتى يؤخذ بأقواهما بحسب ما اتضح مما قررنا فإن قلت إن مقتضى الدليل المذكور حجية الظن المتعلق بالفروع والظن المذكور إنما يتعلق بالأصول حيث إن عدم حجية الظنون المفروضة من مسائل أصول الفقه فلا دلالة فيه إذن على عدم حجيته فيندرج تلك الظنون حينئذ بحسب القاعدة المذكورة ويكون الدليل المذكور حجة قاطعة على حجيتها قلت أولا إن مفاد الدليل المذكور حجية الظن فيما انسد فيه سبيل العلم مع العلم ببقاء التكليف فيه ولا اختصاص له بالفروع وإن كان عقد البحث إنما يستند إليها إذ المفروض انسداد سبيل العلم في هذه المسألة وعدم المناص عنه في العمل وثانيا أن يرجع الظن المذكور إلى الظن في الفروع إذ مفاده عدم جواز العمل بمقتضى الظنون المفروضة والإفتاء الذي هو من جملة أعمال المكلف فتأمل الخامس أنه بعد البناء على حجية الظن في الجملة على سبيل القضية المهملة كما قضت به المقامات الثلاث المذكورة إذا دار الأمر فيه بين حجية جميع الظنون أو الظنون الخاصة من دون قيام مرجح لأحد الوجهين لزم البناء على حجية الجميع لتساوي الظنون إذن في نظر العقل وبطلان الترجيح من غير مرجح قاض بالتعيين وأما إذا كان البعض من تلك الظنون مقطوعا بحجيته على فرض حجية الظن في الجملة دون البعض الآخر تعين ذلك البعض للحكم بالحجية دون الباقي فإنه القدر اللازم من المقدمات المذكورة دون ما عداه إذ حكم العقل بحجية الكل على ما ذكر ليس من جهة انتفاء المرجح بينها بحسب الواقع حتى يجب الحكم بحجية الجميع كذلك بل إنما هو من جهة عدم علمه بالمرجح فلا يصح له تعيين البعض للحكم بالحجية دون البعض من دون ظهور مرجح عنده فيتعين عليه الحكم بحجية الكل بعد القطع بعدم المناص عن الرجوع إليه في الجملة فعموم الحكم إنما يجيء حينئذ من جهة الجهل بالواقع ولا يجري ذلك عند دوران الأمر بين الأخص والأعم على نحو ما هو المفروض في المقام لثبوت حجية الأخص حينئذ على التقديرين فبعد ثبوت حجية الظن في الجملة لا كلام إذن في حجية الأخص وإنما التأمل في حجية الباقي وحينئذ فكيف يسوغ للعقل في مقام الجهل أن يحكم بجواز الرجوع إلى الباقي مع الاكتفاء بتلك الظنون في استعلام الأحكام والمفروض كون حجية الأخص حينئذ مقطوعا بها عند العقل وحجية الباقي مشكوكة بل الضرورة العقلية إذن قاضية بترجيح الأخص والاقتصار عليه في مقام الجهل حتى يتبين حجية غيره من الظنون فإن قلت إن الظنون الخاصة لا معيار لها حتى يؤخذ بها على مقتضى اليقين المفروض لحصول اختلاف في خصوصياتها ودوران الأمر بين الأخذ بالكل والبعض المبهم لا ينفع في المقام لوضوح عدم إمكان الرجوع إلى المبهم والمفروض أنه لا دليل على شيء من خصوص الظنون ليكون ترجيحا بالخصوص فيلزم الحكم بحجية الجميع لانتفاء المرجح عندنا قلت لا بد في حكم العقل حينئذ من الأخذ بأخص الوجوه مما اتفق عليه القائلون بالظنون الخاصة بأن لا يحتمل الاقتصار على ما دونه بناء على القول المذكور إن اكتفي به في دفع الضرورة ويترك الباقي مما وقع فيه الخلاف على القول المذكور فلا يثبت بالقضية المهملة بين كونه بحجية الظن حينئذ ما يزيد على ذلك وإن لم يكتف القدر المعلوم حينئذ لاستنباط الأحكام أخذا بالأخص بعده أخذا بمقتضى المقدمات المذكورة وجريا على مفاد الدليل المذكور بعينه بالنسبة إلى ما بعده فإن لم يف أيضا بالأخص بعده بعين ما ذكر إلى أن يدفع به الضرورة ويترك الباقي بعد ذلك هذا إذا كانت الظنون متداخلة وأما إذا كانت متباينة بأن كان أرباب الظنون الخاصة مختلفين من غير أن يكون هناك ظن متفق عليه بينهم أو كان ولم يكن وافيا بالأحكام كان اللازم الحكم بحجية جميع تلك الظنون لدوران البعض المحكوم بحجيته قطعا بين تلك الظنون ولا ترجيح بينهما فيجب الأخذ بجميعها من غير أن يتسرى إلى غيرها مما يتعدى عن تلك المرتبة فالقدر الثابت من تلك المقدمات القاضية بحجية الظن على سبيل الإهمال هو الحكم بحجية البعض ولما دار البعض بين ظنون عديدة كان قضية انضمام المقدمة الرابعة أعني عدم الترجيح بينها وبطلان الترجيح بلا مرجح هو حجية جميع تلك الظنون ولا يتعدى إلى غيرها من سائر الظنون فإن قلت إن المرجح للأخذ بالبعض إنما هو الأخذ بالمتيقن بعد إثبات حجية الظن في الجملة وإذا دار ذلك البعض بين ظنون عديدة وقع الاختلاف فيها انتفي المرجح المذكور فلا قاضي إذن